السلام عليكم يا شيخ
قصتي تتمثل في اننا ذهبنا لكندا منذ حوالي عامين وعندي ابنتي مراهقة عندما ذهبنا في البداية كانت عادية جدا وبعد شهور لاحظت انها تغيرت وتناقش في الامور الدينية وتنتقد الاسلام ومعاملته مع المرأة وانه ظالمها ومقيد لحريتها والشبهات التي يطرحها الكفار حول الاسلام من ملكة اليمين والزواج الرسول عليه الصلاة والسلام بأمنا عائشة في سن مبكرة.. و…و… رغم اننا عائلة جد متمسكة بتعاليم الدين الإسلامي و وتناقشت معها حول ذلك واحاول دائما إقناعها. إلى أن اكتشفت انها تنزع خمارها في المدرسة ووجدت صليب استغفر الله في حقيبتها المدرسية مما جعلني ادخل في صدمة ولا أنام وفقدت طعم الحياة لكنني لم أواجهها خوفا انها تجهر ردتها فقررت العودة إلى بلدي فلم ترضى بذلك فأخترقت لها حيلة اننا نذهب لبعض الايام ونعود لكن عندما وصلنا قلت لها اننا لا نرجع مرة أخرى دون ذكر السبب فتهدد دائما بالانتحار . حسب رأيكم فضيلة الشيخ ماهو الحل الصائب علما انني اقوم الليل ولا اترك الدعاء ولا لحظة عسى الله أن يردها اليه ردا جميلا.
الإجابة:
بداية نضرع إلى اللّٰه تعالى أن يربط على قلبك، وأن يهدي ابنتك، وأن يردّها إليه ردًا جميلًا، وأن يجعل ما تمرّين به باب أجر ورفعة لك… آمين.
قصتك مؤلمة جدًا، لكنها أيضًا قصة أم مؤمنة صادقة، تُجاهد لتُنقذ قلب ابنتها في زمن الفتن، فثقي أن اللّٰه يراك ويسمع دعاءك، وأن رحمته أوسع مما تتصورين.
سأحدثك هنا أختي الكريمة بلغة واقعية رحيمة وعملية، لعلّ اللّٰه تعالى أن يجعل فيها نفعًا لك ولها… آمين.
أولًا: افهمي طبيعة ما تمرّ به ابنتك
ابنتك ليست “مرتدة” بالمعنى الفقهي الصريح، بل هي فتاة مراهقة تموج داخلها الأسئلة والتناقضات بعد أن انتقلت من بيئة إسلامية محافظة إلى مجتمع غربي منفتح يرفع شعار الحرية المطلقة ويُحاصر الإسلام بالشبهات، ما يحدث معها هو أزمة هوية، وليست قناعة فكرية نهائية.
المراهق في هذا العمر يريد أن يشعر أنه يفكر بنفسه، حتى لو كان ما يفكر فيه باطلًا، ولهذا فإن ردّه العنيف أو التشديد عليه لا يزيده إلا نفورًا.
ثانيًا: لا تجعلي العلاقة مع ابنتك معركة
الخطأ الأكبر الذي تقع فيه بعض الأمهات هو أنهن يحاولن إجبار البنت على الإيمان بالقوة، فيتحول الدين في نظرها إلى سجن!!
كوني ذكية، ولا تواجهيها الآن بخلع الخمار أو الصليب أو الشبهات، بل افتحي معها قناة حب وصدق وأمان، قولي لها مثلًا: (يا ابنتي، مهما كنتِ، ومهما فكرتِ، أنا أحبك، ولن يغيّر حبي لك شيء في الدنيا، أنا فقط أريد أن أفهمك وأساعدك لتكوني مطمئنة).
هذه العبارة وحدها تُسقط عنها الحاجز الدفاعي وتعيدها إلى حضنك النفسي، وهو المدخل الأول للهدا
ثالثًا: اعرفي أن التهديد بالانتحار ليس كفرًا
عندما تقول إنها ستنتحر، فهي لا تقصد ذلك حرفيا، بل تريد أن تصرخ بالألم، وأن تقول: أنا خائفة، مشوشة، لا أحد يفهمني، فلا تردي عليها بالعقوبة أو بالتخويف من النار، بل بالاحتواء والرحمة، قولي مثلًا: (يا بنتي، لا يوجد شيء في الدنيا يستحق أن تؤذي نفسك لأجله، وأنا هنا معك مهما كان، ولن أتركك أبدًا).
إنها رسالة أمان تعيد إليها معنى الانتماء الذي فقدته بين ثقافتين متصادمتين.
رابعًا: قرار العودة إلى بلدكم
قرارك بعدم الرجوع إلى كندا صحيح في أصله من الناحية الشرعية؛ لأن البيئة هناك أضرت بدينها، لكن يجب الآن أن تُدار المرحلة بحكمة، لأن شعورها بأنها سُجنت أو خُدعت، قد يولّد عندها رفضًا للدين نفسه باعتباره السبب.
احكي لها تدريجيًا بعد أن تهدأ أنك فعلت ذلك حبًا وخوفًا عليها، وليس تحكمًا أو كرهًا لحريتها.
ثم اجتهدي أن تجدي لها بيئة تعليمية آمنة في بلدك فيها فتيات صالحات قريبات من عمرها، حتى لا تشعر بالعزلة أو بالحرمان من الرفقة.
خامسًا: خطوات عملية واقعية
1. ابدئي من الحب لا من الوعظ، كل يوم احكي معها في أمور الحياة قبل الدين.
2. استعيني بمستشارة نفسية مسلمة أو مربية مؤمنة متزنة تتعامل مع المراهقات، لأن وجود طرف ثالث غير الأم أحيانًا يفتح بابًا جديدًا للتأثير.
3. اقرئي معها قصص نساء مسلمات مؤمنات معاصرات نجحن في الغرب، حتى ترى أن الإسلام لا يمنع المرأة من النجاح، بل يحميها من الابتذال.
4. عالجي شبهاتها حول العقيدة والدين واحدة تلو الأخرى من خلال الاستعانة بأهل العلم من جانب، والبحث من جانب آخر.
5. داومي على الدعاء في الثلث الأخير من الليل، وادعي بهذا الدعاء: آللهم اشرح صدر ابنتي للإيمان، واجعل حبك أحب إليها من كل شيء، واصرف عنها كيد الشيطان وأوليائه، وردها إليك ردًا جميلًا.. اللهم آمين 🤲
سادسًا: بشرى وأمل
اعلمي يقينًا أن اللّٰه إذا أحب عبدًا ابتلاه ليرفعه، وربما جعل من هذه الأزمة طريقًا لتوبة ابنتك العظيمة وارتقائك أنت في مراتب الإيمان.
وما دمت تقومين الليل وتدعين وتبكين، فثقي أن باب السماء لم يُغلق، وأن اللّٰه يسمعك الآن، وسيجعل من دموعك نورًا في قلبها يومًا ما، إنه سميع قريب مجيب.. اللهم آمين 🤲.