أهل الكتاب بين الكفر والتحريف والإباحة الشرعية للنكاح والذبائح.

هل زواج المسلم من نصرانية محلل مع ان دينهم الان محرف لما فيه من شبهة شرك؟

الإجابة:

خلاصة الفتوى/ نعم محلل؛ لأن القرآن الكريم قد أباح ذلك وهو يواجه نفس هذه العقائد الفاسدة وقت نزوله.

تفصيل الفتوى/

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أخي الكريم.

إباحة زواج المسلم من الكتابية ثابتٌ بنصّ القرآن الكريم، بصرف النظر عن وقوع التحريف والشرك في عقيدتها وكتابها؛ وذلك لأن الوحي الكريم قد تنزل وهو يواجه نفس هذا التحريف والشرك مباشرة، ومع ذلك سمّاهم الله تعالى (أهل كتاب)، وأبقى لهم الأحكام الخاصّة، على نحو ما يلي:

1. أولا/ القرآن الكريم قد أقرَّ كونهم أهل كتاب بعد الحكم عليهم بالكفر والشرك، ونصوص وحيه صريحة في بيان ذلك:

(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة).

(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم).

وصريحة كذلك في ذكر التحريف:

(يحرفون الكلم عن مواضعه).

ومع ذلك، خاطبهم القرآن الكريم بقوله: (يا أهل الكتاب):

  • (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون).
  • (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحقّ، إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة).

وهذا دليل قطعي على أن ثبوت الكفر والشرك والتحريف لا ينقض وصفهم بكونهم أهل كتاب، من حيث الأحكام الشرعية الدنيوية.

2. ثانيا/ القرآن الكريم قد فرّق بين نوعين من الكفار:

1. كفار أهل الكتاب، لهم أصل شريعة سماوية، ولهم كتاب ينتمون إليه، وربّهم هو ربّنا في الأصل وإن حرّفوا التصورات، فهؤلاء قد أباح الله تعالى للمسلمين نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم.

2. الكفار غير الكتابيين (المشركون الوثنيون)، ممن ليس لهم كتاب، ولا شريعة سماوية أصلا، فهؤلاء قد شدد الله تعالى علينا أحكام الشريعة في التعامل معهم، ولم يُبح لنا ربّنا جل وعلا نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم.

وهذا التفريق نصٌّ قرآنيّ: (ليسوا سواءً)، أي: ليس جميع أهل الكفر على درجة واحدة في الأحكام.

3. ثالثاً: الإباحة هنا حكمٌ تعبّدي شرعي، لا علاقة له بتزكية عقيدتهم.

فليس في إباحة الزواج منهم تزكية لعقيدة النصرانية الحالية، ولا تصحيح ضمني لكتابهم، ولا إقرار لشركهم بحال من الأحوال، وإنما هو فقط حكم خاصٌ لأهل الكتاب لاعتبارات شرعية وحِكم اجتماعية ودعوية (في مجال الفقه دون العقيدة، وفي نطاق الفروع دون الأصول).

4. رابعاً/ تطبيق ذلك على الواقع المعاصر في كندا والغرب.

إنه وإن تقرر حكم الشريعة بإباحة الزواج من نساء أهل الكتاب في الجملة، إلا واقع العيش وتجارب الإقامة في هذه المجتمعات قد فرض علينا ضرورة إعادة النظر مرتين قبل تخاذ هذا القرار (المحلل والمباح)، فليس كل مباح يناسب كل مسلم، إن القوانين الغربية التي تكيل للمرأة من الحقوق على حساب إجحاف الرجل وتكبيله عند وقوع التنازع في الزواج، كفيلة بأن تملي على المسلم أن يفكر مرتين قبل الزواج من غير المسلمة، وأن يفكر ألف مرة قبل الإنجاب منها، وألا يغيب عن وجدانه تلك التساؤلات الواقعية:

  • هل سأقدر على تربية أبنائي من غير المسلمة على الإسلام؟!!
  • هل سأتمكن بحرية ببذل أسباب المحافظة على ترسيخ دينهم وهويتهم، والحال أن المجتمع كله في الخارج غير مسلم، ونصف البيت في الداخل غير مسلم كذلك؟!!

هذا وإن مرونة الشريعة، ومقاصد تشريعها قد تعطيان المفتي السلطة في أن يفتي بالمنع من مثل هذه الزواجات أو حتى تحريمها في مواطن معينة (سدا للذريعة)، وإن كان الحكم العام على خلاف ذلك.

والله تعالى أعلم

الأكثر مشاهدة

أضيف مؤخراً

أضيف مؤخراً

wpChatIcon